السبت، 21 مايو 2011

رفيقات الأترجه

نقابل في حياتنا شخصيات تظل أمامنا مجرد سر مغلق، نتعامل معهم بشكل رسمي وكلما طال امد العشرة زال الحرج شيئا فشيئا بحكم الألفة والعشرة، ولكن يبقى للمحنة وقع مختلف، فهي تكشف الكنوز المدفونة، وتكشف معادن البشر، لقد كانت زميلات مركز الأترجة لتحفيظ القرآن الكنز الدفين في حياتي، اخوات في الله صحبة القرآن جمعة على الخير، وكلما اشتدت المحنة زادت المعادن لمعانا،والعلاقة بريقا، فياله من نور عشت فيه كان همي فيه القرآن أولا فأكتشفت ان كنزه الأكبر هن صحبة القرآن فهن الكنز الحقيقي، فلله ما أجملها من صحبة انعم الله بها على لو أمضيت عمري أشكر الله عليها وحدها فلن أوفيه حقه، فلك الحمد ربي على نعمة القرآن، وصحبة القرآن، اللهم اجعل حفظنا له خالصا لوجهك وابتغاء مرضاتك تقبل منا واجعلنا به رفيقات في الجنة كما جمعتنا به رفيقات متحابات في الدنيا واجز أخواتي عني خير الجزاء وثبتهن وإياي يارب العالمين.

الثلاثاء، 10 مايو 2011

سر أروما

يحوم طيفها حولي منذ اسابيع، تقفز التساؤلات لذهني حول ذلك السر الذي حملته في جنباتها فكتب لها من التيسيير وحسن الخاتمة ما تعجب منه جميع من عرفها، وأخبر بقصتها، وجميع من سمع عنها، تعددت التفسيرات، والقيت التأويلات لكنه ظل مكنونا بداخلها خبيئة بينها وبين رب عرف حالها وخبر مكنون نفسها فأدخلها في مصاف الذين اسلموا لله وانشرح صدرهم للحق وقبضت ولم تركع لله ركعة.
اروما الفلبينية ابنة الأحد وخمسين ربيعا, واحدة من مئات الآلف من ابناء هذه الجالية الذين يملئون ربوع الكويت كغيرهم، جاءت طلبا للرزق،انغمست في العمل حتى النخاع، ولكن مؤخرا بدأت تداهمها الآلام، واكتشفت اصابتها بالسرطان، تتابعت الأحداث سراعا، فقدت العمل، ثم لم يعد الحصول على العلاج متوفرا بسبب انتهاء اقامتها، تقطعت أمامها السبل كما ظنت، بدأت تبحث عن مخرج، شعرت بأن الجميع قد انفضوا من حولها، لكن ربها الذي خبر سرها وعلم من مكنون نفسها مالا يعلمه أحد كان بجانبها، بدأت الأمورتنفرج، سخر لها الله من يسر لها تعديل إقامتها فعادت لتلقي العلاج، وعاد شيء من الإستقرار لحياتها، وبدأت تستعد لإجراء جراحة عاجلة، لقد شعرت ان الدنيا لا يزال فيها خير، رغم معرفتها ان فترة توقف العلاج قد اثرت على صحتها وتراجعت حالتها.
تقول الداعية التي دعت اروما للإسلام" كان في وجهها شيءمختلف شجعني للتحدث معها لا أعرف ماهو ربما سكينة واطمئنان لم ارهم على وجوه كثير من المسلمين، فأعطيتها كتيبات عن الإسلام بلغتها، ففوجئت بأنها قد قرأتهم جميعا في اليوم التالي، ولما سألتها عن رأيها أبدت بعض التردد، فأمهلتها ثم مررت عليها بعد يومين لأفاجأ بها تبدي الرغبة في الإسلام، حاولت ان انهي اجراءات اشهارها للإسلام سريعا لكني لم انجح إلا في إحضار القاضي لتشهر أمامه الإسلام لتبدأ حالتها في التدهور سريها وتسلم الروح لبارئها وتدفن على الإسلام ولم تغير اسمها ولم تركع لربها ركعه"
فأي سر وأي قلب وأي خبيئة حملتيها بداخلك يا اروما جعل حسن الخاتمة التي يلعج العباد بطلبها تركض خلفك ركضا، اللهم ارحمها واجعلنا رفقائها في الجنة، وارزقنا حسن الخاتمة.

الاثنين، 18 أبريل 2011

روح تستغيث

عندما ينحدر القدرة على المقاومة وينحدر سلم الصحة إلى اسفل، وتشعر الروح التواقة ان هناك قوى تجذبها لأسفل رغما عنها لتنحدر معه وتعترف بالهزيمة وعدم القدرة على المقاومة، ولا تعرف فكاكا ولا مهربا،فهاهو الجسد المثقل بمكابدة الحياة تخور قواه تحت وطأة مرض كتبه الله عليه ليبتليه به،رضي ورضيت الروح التي يسكن هذا الجسد المنهك بما قدر الله له، وتلاحقت المحن وزادت وطأة المرض، وبدأ الجسد يرفع الرايات البيضاء رغما عنه مستسلما لضعف لا يملك منه فكاكا، فما عسى الروح ان تفعل أمام هذا الضعف الذي لم تعهد له سبيلا من قبل، ان الإستسلام ليس من طبعها، والإستكانة ليست من شيمها، ولكنها لا تملك أن تجبر جسدها المنهك الذي بدا يستسلم على ما لا يقدر ولا يستطيع، يالها من أوقات صعبه ان تشعر انك رهين محبس لا فكاك منه، اللهم أسألك الرضا بالقضاء، اللهم ان روحي حبيسة فعجل فرجها وأوجد لها مخرجا يرضيها عنك ولا تجعلها من القانطين الآيسين من رحمتك يا رحمن الدنيا والآخرة يارب العالمين، فأنا أمتك الضعيفة إليك لا تردني مع الخائبين وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين وارزقني الصبر على المحن ما ظهر منها وما بطن واجعلني على بلائك من الصابرين المحتسبين الفائزين بمعيتك والموفون أجورهم يوم القيامة بلا حساب ولا سابقة عذاب، اللهم ارحم ضعفي واسرافي في أمري وكن لي معينا وثبتني على الحق يارب العالمين. الهي يارب المستضعفين ان لم تعني فلا معين لي غيرك وان لم تثبتني فلا مثبت لي غيرك وان لم تهدني وتعصمنى من الزلل فلا مثبت ولا عاصم لي غيرك، ربي برحمتك استغيث فأصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، اللهم اجعل خير عمري آخره وخير عملي خواتمه وخير أيامي يوم ألقاك على رضا منك، اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك، ربي ثبتني فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك وأخرجني من هذه الدنيا وأنت عني راض غير غضبان، وأدخلني في رضا منك ورضوان. ربي أخوف الخوف في نفسي ان يجذب الجسد الفاني الروح التواقة التي ظلت تقاوم قدر طاقتها إلى مزالق الفناء والقنوط، اللهم استودعك اياها فاحفظها بما تحظ به ارواح المؤمنين الصالحين الراضين المتوكلين عليك يارب العالمين, اللهم استجب ولا تردني مع الخائبين،ىاللهم استجب اللهم استجب يا رحمان الدنيا والآخرة يارب العالمين فلا مجيب لي غيرك ولا معين لي سواك.

الجمعة، 1 أبريل 2011

يا مسكين لمن تشكو؟

ينقسم الناس أمام المحن والآلام والمشكلات مابين كتوم مترفع عن الشكوى، وشاك لايستطيع إلا ان ينثر الألم في كل مكان يحل فيه وكأنما لا يوجد في العالم من يعاني غيره.
ان الذين يطوون الصدور على آلامهم ترفعا عن الشكوى لمن لا يملك من أمر نفسه شيء، واشفاقا على من يحبون من ان يكون في شكواهم ما يصيبهم بالألم والهم فيؤثرون حبسها داخلهم غالبا ما ينفض عنهم الداعمون، بل قد ينتظرون منهم على الدوام ان يكونوا هم مصدر الدعم، ويتعجبون ان ابدوا تذمرا أو شكوى أو بدا عليهم شيء من الضعف، فلم يعتد منهم الآخرون على ذلك لم يألفوهم على هذه الشاكله.
أما من اعتاد أن يجعل من نفسه وصدره خزانة مشرعة الأبواب تتناثر منها الآلام والشكوى يمينا ويسارا تساندها دموعه المنهمره في ايصال رسائل طلب الدعم اللامحدود ممن حوله تنهار عادة امامهم اسلحة المحبين في التجاهل ولا يملكون إلا الإسراع بل والإلحاح في تقديم الدعم والمسانده بمناسبة ومن غير مناسبه غير منتظرين لدعوة أو متأخرين لثوان.رغم الشفقة التي أشعر بها أحيانا على أصحاب الصدور المغلقة على آلامها لما قد يقابلونه من قسوة المحيطين أو يعانونه من ضغط، ولكن ماذا عساهم ينتظرون من بشر لا يملك من أمر نفسه شيء، فما عند الله خير وأبقى، ألا يكفيهم انهم إذا احتسبوا هذا الكتمان عند الله تعالى وابتغاء مرضاته ينالون درجة المحتسبين المتوكلين الذين لا يرضون بغير الله سندا وملجئا، فمن أحن على المخلوق من خالقه يبث بين يديه شكواه ويسكب أمامه عبراته دون خوف أو خجل لعلهم ينالون بذلك منزلة الصابرين الفائزين بمعية الله، ويكونون من الذين يوفون أجرهم يوم القيامة بغير حساب ولا شك أنها منزلة تستحق أن يتحمل الإنسان من أجلها انفضاض الداعمين، وقسوة المحيطين ويالها من ضريبة بسيطه أمام ثواب جزيل.
أما أصحاب الآلام المشرعة فعادة ما يثيرون الشفقة لإعتيادهم نيل الراحة أكتاف الأخرين، فإذا غابت هذه الأكتاف اسودت الدنيا امامهم وغابت شمسها وعاشوا في ظلام لا يملكون منه فكاكا"فمن غير الله يأتيكم بضياء"
ما أجمل ركعتين في خلوة يسجد فيها العبد بين يدي ربه مرددا دعاء الرسول يوم الثقيفة في الطائف شاكيا لخالقه ضعف قوته وقلة حيلته وهوانه على الناس طالبا منه الدعم فهو ربه ورب المستضعفين مستعيذا من ان يكون ما به من كرب وضيق بسبب غضب ربه وسخطه عليه، طالبا منه العافيه، ساكبا العبرات، فمع تمام هاتين الركعتين سيشعر القلب أنه قد أزال عن كاهله كل الهموم، وتسكن نفسه وكأنها غسلت بالماء والثلج والبرد.

الجمعة، 4 فبراير 2011

كيماوي الإنتفاضه

في بعض لحظات الحياة يتراجع الألم الخاص ويتوارى خجلا أمام آلام أكبر، آلام لا يمكن للإنسان إلا أن ينحني أمامها إجلالا واكبارا، كيف لا وهو ألم بطعم العزه، ألم بحجم الإقدام، ألم لا يمكن إلا أن نحترمه ونقدره وندعو للمأسورين في براثنه بيوم خلاص يرفع الرأس ويعز الجبين.
هكذا مضت جرعتي الثانية للكيماوي متابعة لإنتفاضة مصر، لم يكن للجميع حديث إلاها، طغت أحداثها على نغمة الألم، إلى خيبة الأمل في نظام يتكشف كل يوم كذبه وخداعه، يتكشف كل يوم كيف أحسن الصهاينة تربيته، وأشربوه من مبادئهم ما يندى له الجبين.
كم أشعر بالمرارة التي يشعربها شباب مصر، لقد كشفت لهم الأيام السابقة انهم كانوا ضحية مؤامره كبيره، وأن كل شيء في مصر ذو قيمة إلا المصري الذي كان يخدع في منتصف الليل بالوعود الكاذبه ثم يقتل عند الفجر بدم بارد، لا ينتظر بزوغ الفجر ليرى من يقتله.
لقد كان يوم أمس يوم الدموع الكبير التي انهمرت والدعوات التي رفعت والأقنعة التي انكشفت، وتحسرت النفوس على اناس يعشقون الكراسي أكثر من الكرامة والعزة والإباء ظانين بأن الله غافلا عما يفعل الظالموننه لا يعلمون ان الله يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد اليهم طرفهم وأفئدتهم هواء.
اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم من الجن والإنس، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر وسمع بهم واجعلهم عبرة لمن يعتبر، اللهم عوض الصامدين خيرا وانصرهم نصرا مؤزرا من عندك يا أرحم الراحمين يا ولي الصابرين، ولا تسلمهم لعدوهم وكن لهم سندا وناصرا يارب العالمين.

الثلاثاء، 11 يناير 2011

كيماوي غير شكل

سنتان مضت تقريبا منذ أول يوم لي مع جلسات العلاج الكيماوي، وها قد عادت الكرة من جديد، ورغم غياب رفقاء الدرب الأول في جلسات الكيماوي منهن سلفتي الكبرى ذكرها الله بالخير لإضطرارها إلى السفر، ووالدتي بارك الله فيها إلا ان دعاؤها قد وصل وشعرت ببركته ترفرف من حولي.
كنت أخطط للذهاب بمفردي لأخذ العلاج، ولكن الله أرسل لي صديقة جاءت زائرة من من وراء المحيط الأطلسي لتذهب معي، رغم محاولاتي اثناؤها عن ذلك لمعرفتي بضيق وقتها والمهام التي على عاتقها إلا انني اشكر لها اصرارها على الذهاب معي فقد كانت نعم الرفيق، وكانت رفيقات حلقة القرآن مجتمعات معا ولم يمنعنا عن مشاركتهن إلا جلستي العلاجيه التي قررها الطبيب في اللحظات الأخيره، فكان لي نصيب من لقاؤهم المبارك دعوات جماعية متواصله ورسائل واتصالات لا تنقطع، ثم جاءت الحبيبة صفاء، تلك الداعية الرائعة التي روت لي قصة مريم، فملأت أذني بقصص مريضات اشهرن اسلامهن، احداهن تلك الفلبينية التي طلبت منها ان ترقيها فما كانت تضع يدها عليها وتبدأ بقراءة الفاتحه حتى تفاجأ بالدموع تنهمر من عينيها كأنها البحور، ولم يمر ثلاثة أيام إلا وأعلنت اسلامها، واختاروا لها اسم ام المؤمنين عائشه، وبعد فترة قابلتها بحجابها، ووجهها المشرق بنورالإسلام وعلمت ان حالتها المرضية قد تحسنت فوضعت يدها عليها لترقيها كما فعلت في السابق فوجدت الدموع والخشوع وخشية الله، انها الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.
هكذا مضت الساعات داخل جناح العلاج هانت معها الآلام، وتضاءلت المصاعب ولم تعد شيئا أمام الوقت المبارك الذي قضيته، وغادرت على اتفاق مع صفاء أن نعد معا كتابا حول الحالات المرضية التي أسلمت على يديها، اللاتي ولدن من جديد على فراش المرض، فكان المرض لهم رحمة ونعمه، وميلاد جديد وليس نهاية العالم كما يعتقد القاصرون، لا شك ان الله قد رأى في مرضهم خيرا لهم فابتلاهم به، ولو تركهم على صحتهم ما نالهم هذا الخير الذي وجدوه.
يالرحمة الله وحكمته البالغه يغني الغني لأنه يعلم أن الغني يصلحه، ويفقر الفقير لأنه يعلم أن كثرة المال ستفسده ولن يطيق آداء حقه، ويصح الصحيح لأنه صالحه في الصحه ويمرض المريض لأنه يعلم أن خيره في مرضه، فما على الإنسان إلا أن يسلم ويرض بقضاء الله رضاء القانع المسلم، لا رضاء المجبر الذي لا خيار له.
أسأل الله ان يعينني لأتم ما اتفقته مع الرائعة صفاء وان يجعله لنا صدقة جارية، ونفعا فهكذا هو الله دائما ينزل الرحمة ، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.
لقد كانت بالفعل جلسة كيماوي غير شكل، أحمدك ربي وأشكرك ملء ما في السماوات وملء ما في الأرض وملء ما شئت من شيء بعدهما.

السبت، 8 يناير 2011

رفيق دربي

منذ بدأت الرحلة وأنا اتعامل مع مرضي على انه أزمة طالت أم قصرت فإن مصيرها باذن الله إلى زوال، وأن الصبر يعقبه الفرج بإذن الله، ولكن وبكلمة صغيرة ألقاها الطبيب على مسامعي تحول الأمر من أزمه وتعدي إلى، مرض مزمن ملازم لي يحاول الأطباء جهدهم ليجعلوه تحت السيطره اما الشفاء التام فشيء بعيد المنال.
ترى كيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع السرطان كأنه ضغط أو سكر؟ هل هذا الأمر ممكن بالفعل؟ كانت الإجابة صعبه في بدايتها، ولكن بعد حديث صغير مع النفس وجدتني بالفعل كذلك منذ بدأت رحلتي، فلم اعش احساس العافيه منذ البداية إلا اربعة أشهر فقط، فما الجديد الذي قاله الطبيب؟! حقا أحيانا تكون الحقيقة التي نعرفها بداخلنا ولا نصرح بها صادمة في البدايه حين نسمعها على هيئة كلمات وعبارات صريحه، ولكننا لا نلبث ان نسلم بأننا من كان يتجاهلها، لذلك قررت أن أغير تعاملي مع الأمر، أن أكون أكثر هدوءا، وأن أتعلم أن اواجه الأمر منفرده فالموضوع لن يكون شهور وتمر، بل قد يمتد لسنوات ان كتب الله لي المزيد من العمر، ومنحنى المزيد من القوة للمقاومة.
هكذا انتهى كلام البشر، ولكن وعد الله حين قال "ادعوني استجب لكم" لا يتنهي أبدا ولا تغلق له باب، ومشيئته وحكمه نافذ فوق العباد، وآياته لا تنقطع في الآفاق من حولنا وفي انفسنا ومن احسن الظن في الله لا يخيب، لذلك لن أكل ولن أمل ربي من الدعاء فان لم تستجب لي فاجعله في ميزاني يوم الحساب.
ربي اشهدك اني احب ما قدرته لي ولا أضيق به فأنت من اخترته لي ولكن لا تجعله عائقا لي عن التواصل مع الحياة، وحسن العباده والإستزاده من الخير، والتواصل مع الناس والعباد، والأخذ بحظي من الدنيا، واعطاء من حولي حقهم بما يرضيك عني، وان تعينني أن استزيد من العلم وأعلمه، وأن يكون ألمي رفيقا شفيقا بي يحط عني الخطايا ويرفع درجاتي دون أن يعيقني عن الخير، ربي ان جعلته رفيقي فألنه لي، واكفني شره، فأنا به راضية طالما انت ارتضيته لي، ففيه الخير باذن الله، فيكفي ان رسولك الكريم نهى عن سب الحمى لأنها تذهب خطايا ابن آدم كما يذهب الكير خبث الحديد، فاجعل رفيق دربي لي كذلك واعني عليه ولا تجعلني لنعمتك من القانطين.

الاثنين، 27 ديسمبر 2010

فيروسي العزيز

من منا لا يتأفف أو يتذمر حين يشعر بالوهن يسكن أطرافه، والألم يسيطر على مفاصله، ونبرة صوته تخرج مبحوحة أثر هجمة دور برد يغزو جسمه، ولكن هل هناك من فكر أن هذا الفيروس الضعيف قد يكون هو الرحمة التي يرسلها الله سبحانه له؟، لا أقصد بهذه الرحمة الحسنات التي يهديها الله للمؤمن المحتسب، بل أقصد ان يتحول هذا الفيروس الضعيف إلى رحمة تتيسر بها الأمور وتسير معه نحو الأفضل، هكذا أصبح فيروسي العزيز الذي أبى إلا أن يغزو حلقي قبل العيد بأيام مانعا صوتي من الخروج، لقد كان هذا الفيروس سببا في تحويل إقامتي في المستشفى إلى إقامة خمس نجوم، في غرفة خاصه مع حمام وهاتف مستقل، تلك الغرفة التي لو حاولت الحصول عليها بكل الوسائل لم أكن لأنالها خاصة في وقت العيد والجميع غير موجود وليس في الإمكان أبدع مما كان.
لقد خشي الطبيب على المريضات من حولي أن ينتقل إليهن الفيروس بسبب ضعف مناعة الجميع فالكل مابين معالج الإشعاع أو بالكيماوي، ومناعتهن منخفضه، وفيروس مثل هذا كفيل أن يؤخر جرعات الكثيرات، لذا كانت الأوامر العليا غرفة خاصة للسيطرة على الوضع، حقا " وما يعلم جنود ربك إلا هو" فمرحبا بكل قدر الله فله فيه حكمه علمناها أم جهلناها، أحببناها أم تذمرنا منها فالقدر واقع لا محالة وليس لنا منه إلا الثواب بالصبر والشكر أو السخط بالتذمر وعدم الرضا.
ان من أهم الرحمات المهداة من رب العالمين في ظلام المحنة أن تشعر بمعيته، ورعايته وتيسييره، وأن تجد أن أمورك تسير نحو الأفضل دون حول منك ولا قوه، حينها لا تملك إلا أن تقلب كفيك عجبا من حكمته، ولسانك شكرا على نعمته خاصة حين تجد أن من جعله الله سببا لذلك لم تكن تعتبره شيئا، انهما الكاف والنون الخفيفتان على اللسان اللذان يدبر بهما الرحمان أمر هذا الكون فيقول لما يشاء كن فيكون.

قعيده أم مريضه؟

ايهما أصعب على الإنسان أن يكون مريضا أم أن يكون مقعدا عاجزا عن الحركة؟
رغم أن هذا السؤال لم يخطر على بالي من قبل، ولم أفكر فيه، إلا ان ظروفي الصحية في الفترة الأخيره فرضته علي فرضا، لقد كانت قدمي المسكينه تئن ولكنني كنت أصر على أن تمارس عملها بشكل طبيعي طالما بها بقية عافية تمكنها من ذلك، وكانت ترضخ لأوامري الصارمة باستسلام فلا حيلة لهاخاصة وأنني لم أكن مستعدة أن يكون المرض سببا كافيا لأترك مسئولياتي التي وضعتها على عاتقي سواء بإرادتي أو بقدري فها أنا لاأزال قادرة على الحركه.
ولكن مع الوقت بدأت الأمور تأخذ في التراجع نحو الأسوأ، لقد أصبح العمل الذي لا يحتاج إلا لعشر دقائق من أجل انجازه يستغرق مني نصف ساعة، أصبحت قدمي تسير معي رغما عنها، بدأ الثقل يغزو ذراعي والخدر يزحف إلى نصف جسدي الأيسر، ولكن بلا ألم، وهذا ما دفعني للتساؤل ، هل سيكون مصيري أن أصبح عاجزة عن الحركة؟! لقد فتح أمامي هذا التساؤل خيالات لا حصر لها، هل معنى هذا أن أتخلى عن دراستي التي قاربت على انهائها؟ هل معنى هذا أن أترك بيتي الذي لن أستطيع الوصول إليه لأنه في الطابق الخامس، و مكون من طابقين، هل سأكون محتاجه للعون في كل حركه؟ بدأت أخطط لحياتي وأتخيلها وأنا على كرسي متحرك، كم كان التخطيط صعبا وقاسيا، سنوات المرض وما مررت به كله لم تكن شيئا أمام هذه اللحظات، في آخر يوم قدت فيه السيارة قبل دخولي المستشفى استغرقت ربع ساعة كاملة للنزول من البيت والجلوس على كرسي السيارة كان الأمر أشبه بالمعاناة، خنقتني العبرات، لكني أبيت إلا أن أكمل الطريق فطالما أنا قادرة فلن أستسلم، دعوت ربي أن يخفف عني وألا يحملني مالا أطيق، وقد كان، تراجع شبح التقاعد، وعدت من جديد اسير بشكل شبه طبيعي، وأقود السيارة، وأذهب حيث أشاء، وأنا أحمد الله على نعمة الحركة فبالنسبة لي المرض أهون آلاف المرات من أن أصبح عاجزة عن الحركة، اللهم لا تحرمني نعمة الحركة في سبيلك وابتغاء مرضاتك، واجعل حركاتي خالصة لك وارزقني بكل حركة أجرا، ولا تحملني بذنوبي وضعفي وقلة إيماني ما لا أطيق، وارحمني برحمتك التي وسعت كل شيء.

الجمعة، 17 ديسمبر 2010

على صعيد عرفات

وبدأت الجولة الثالثة، جولة غير كل الجولات، بدأتها على غير موعد، وخرجت منها بعد النزال الأول بمكاسب لا تحصى وصداقات لا تعد وحب لا يتسع له الكون، وسكينة لم أعرفها من قبل، انها جولة الكنوز والمكاسب، لا يهم من سينتصر في النهاية المرض أم أنا ولكني اليوم غير ما كنت عليه بالأمس، لقد ولدت من جديد من رحم هذا النزال، قلبي مختلف، فكري على غير عادته، في نفسي شيء لم أعهده من قبل، إنه اليقين، لقد أخذ ربي بيدي أخيرا وأوصلني لحبه والرضا بقضائه، لقد كنت أظن أنني كذلك من قبل، ولكني اليوم قد ذقت حلاوة لم أعهدها، وعشت مشاعر لم أألفها، كنت كمن يحلق في سماء رحبة بلا حدود، ترفرف حولي القلوب.
لقد حملني هذا الرضا وتلك السكينة على إخفاء الخبر عن أهلى ومن أحب، فكيف يصبر من يشكو لغير ربه؟! ثم كيف يمكن لمحب ان يتحمل أن يكون مصدر قلق وألم لمن يحبهم؟ وان يحول ساعات السعادة في حياتهم إلى شقاء، والأعياد والأفراح إلى أحزان؟!
ان كان في الكون محب بهذا الشكل فلست انا هذا المحب، خاصة لك يا أمي فليس أشد على نفسي من أكون سبب ألمك منذ سنوات ومبعث قلقك الدائم أنت من يفترض بي أن ابرك، وادخل السعادة إلى قلبك.
ايتها القلوب المحبة سامحوني، لم أقصد أن أخفي عليكم ألمي، ولكني آثرتكم على نفسي، واستبدلت بأعيادكم أعيادي، وبفرحكم أفراحي، ونأيت عنكم بآلامي برا وحبا فلا تلوموني.
لقد منعني قلبي المحب وعقلي ان ابث أليكم ألمي وانتم بعيدين عني فالمسافات ستجعل من الهم هموما ومن الغم غموما ومن الألم آلام، ثم ما النتيجة بعد كل هذا سأظل أنا على حالي وانتم على حالكم، فان كنت لا استطيع لنفسي شيئا فإنني استطيع ان ابعدكم عن القلق ولا أفسد عليكم العيد، وقد كان لي ما أردت بحمد ربي فعوضني بقلوب محبه، ودعوات لا عدد لها ولا حصر، وعيد غير كل الأعياد لا أعتبره على فراش المرض، بل بين يدي الله، لقد قضيت العيد مع ربي، تحفني الملائكه، صدقوني شعرت بها، وعشت أيام سكينة لا مثيل لها، وخرجت من هذه المنحة بعطايا لا أحصي لها عددا وبحب يملأ الكون ويفيض، لقد شعرت وكأنني على صعيد عرفات.

الأحد، 12 ديسمبر 2010

شعاع الشمس

ما أجمل شعاع الشمس حسن يتسلل هاتكا حجب غرفة مظلمة، انه النور الذي يصر ان يدخل حياتنا في احلك لحظاتها صعوبة مع سبق الإصرار، ويصر ان يجعل لها وقعا مختلف.
لا شك ان الإنسان مهما كان حين يفكر في محنه بشكل مختلف سيرى تلك الأشعة العنيدة التي تصر على الدخول مرافقة كل محنة، وملازمة لكل أزمة، انها الرحمات التي ترافق ابتلاءات رب العباد، فيهون بها على من يصبر ويحتسب، اما من يسخط فليس له إلا السخط، فيرى في تلك الأشعة ما يعكر صفو لياليه، ويهتك حجب أيامه التي أرادها أحلك من الظلمات في بحر لجي.
هذه لم تكن شعارات، ولم تكن عبارت منمقة اسوقها من أجل بث الأمل في النفوس ففي لحظات الضعف شعرت بأياد محبة قوية تدفعني لأمام وتشد من أزري وألسنة مؤمنة تلهج لي بالدعاء ، كنت اشعر وكأنني اسمع همساتها تحت جنح اليل، قلوب محبة في الله، يالله كل هذا الحب لي أنا، كل هذه القلوب حولي، كل هذه الأيادي من أجلي، ربي كم أحبك وأحب كل من أحبني فيك.
كم كان حزني شديد حين حاولت أن أصوم أيام ذي الحجة فلم استطع، عاهدت نفسي على الإجتهاد قدر طاقتي، ولكن طاقتي لم تكن قدر عزمي، كان الضعف يصر أن يمنعني ويعوقني، فماذا عساي أن أفعل غير أن أسألك ربي العفو وحسن الثواب والدرجة العالية، فلم تكن إجابته بعيده، لقد عوضني ببلاء أسأله أن يجعله في ميزاني ويرفع به درجاتي، ويدفع به عني خطيئاتي، وأن يجعله قدر احتمالي، وألا يجعلني من القانطين.
حين استرجع ما مر بي خلال الفترة السابقة أجدني اتساءل: هل كل هذا الثواب من أجلي؟ وهل أنا الأمة الضعيفة أستحق هذا كله؟ من أنا وماذا فعلت؟ ان كل ما أفعله وما عملته سيكون هباءا أمام رحماتك ربي ونعمك التي لاتعد ولا تحصى، قرآن يتلى، وصحبة في طاعة، وقلوب محبة، وبلاء لعله يرفع الدرجة، ويزيد الثواب، فهل عساي أطمع في المزيد؟!
نعم ربي، فانا أمتك الضعيفة وليس لي رب سواك ان لم نشفني وترحم ضعفي وزلاتي فمن يرحمني غيرك، ربي أسألك ياذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا ولا يحصيه غيرك ان تشفني شفاءا لا يغادر سقما فأنت القادر على ذلك وأنت مسبب الأسباب والهادي إلى طريق الرشاد فيسر لي سبل العلاج ، واجعل كل ذلك في ميزاني، وارفع به درجاتي، ولا تحرمني صحبة كتابك والقلوب التي متعتني بقربها في رحابه، واتم علي نعمة حفظ كتابك وتجويده، واجعلني به من أهلك وخاصتك.

الاثنين، 1 نوفمبر 2010

ما بين الرضا والرضا

هل الرضا يعني ان نقف موقف المتفرج أمام ما يحدث لنا، ونصر أن نرسم على محيانا ابتسامة بلهاء لا معنى لها، تجعلنا موسومين بالبهلاهة أمام أنفسنا وأمام الأخرين؟!... إذا كان هذا الرضا كما يقول به البعض فأنا أعلنها واضحة جليه أنني غير راضية... فشتان شتان بين الرضا والإستسلام، الرضا أن أتقبل ما أنا فيه، وأعمل على التكيف معه، وأرفض اليأس وأسعى في كل الطرق دون كلل أو ملل، وأعيش حياتي كما أرادها الله لعباده المؤمنين دون كلل أو ملل، أواجه الغرق بكل سلاح ممكن، وأصارع الموج حتى الرمق الأخير وأنا واثقة أن الله لم يفعل ذلك بي إلا لخير أراده حتى لو عجز نظري القاصر عن ادراكه، أبحث عن بصيص الضوء في كل ظلمة، ولا أترك نفسي للموج يتقاذفها من كل جانب وأنتظر الموجة القاضية دون أن أحاول لها دفعا، ولكن كيف السبيل لذلك أمام المرض الذي يصر على التشبس بي والضعف الذي يتسلل إلأى قدمي وجعل صعبه، ماذا عساي أن أفعل وهل أملك إلا أن آخذ الدواء بإ،تظام وأنتظر؟!
لقد كان هذا التساؤل الصعب هو ما حاولت الإجابة عليه، ووجدتني لو اكتفيت بالإنتظار فكأنما انتظر الموت وأنا فاتحة له ذراعي، حقا هو مصيرنا جميعا، ولكني الآن في الدنيا لايمكن أن أعيش أيامي وأنا أنتظر الموت، فكلنا سنموت، ولكننا لابد أن نعيش لدنيانا كأننا نعيش أبدا كما نعمل لآخرتنا كأننا نموت غدا، لهذا قررت أن أبذل المزيد من الجهد في الدعاء والرقية لنفسي سائلة ربي الشفاء، وأ، أتبع نظاما غذائيا يبتعد عن الأطعمة التي أثبتت الأبحاث أن الخلايا السرطانية تتغذى عليها، كما بدأـ أسعى للحصول على لبن الإبل وبوله بإنتظام، وقررت ألا أجعل من قدمي التي تسير بصعوبة ذريعة للتخلي عن دروسي، فالحمد لله أن المشكلة في قدمي اليسرى، وأنا أقود السيارة باليمنى فالذهاب للدرس لن يكون صعبا.
هكذا عقدت الهمة من جديد، وقررت أن أغوص في بحر الرضا، واستمتع بحاتي، وأحول صراعي مع المرض لجولات أسأل الله أن يرزقني فيها النصر، وأن يجعل من قدمي التي تحملني بصعوبة إلى دروسي إثباتا لصدق نيتي في حفظ كتاب الله.
أما الضيق الذي قد يعتريني من وقت لآخر والخوف الذي قد يداعب شغاف قلبي، فاجعل منه زادا يزيدني إصرارا على المضي قدما فيما بدأته.
ربي لا تبتليني في عقلي واجعل قلبي حاضرا في طاعتك، وفؤادي عامرا بالإيمان حتى آخر نفس في صدري، واجعل الرضا صديقى، فأن أعيش حياتي بلا أمل، وتمر ساعاتي بلا هدف هو في عيني الموت نفسه.

الأربعاء، 29 سبتمبر 2010

وبدأت جولة جديده

مرت شهور منذ بدأت في تناول علاجي الجديد، أهم ما فيه انني عشت حياتي بطريقة عادية، تعايشت مع البثور التي ملأت وجهي، ذكرتني بأيام المراهقة فما أشبهها بحب الشباب، كنت أتأملها فأقول ها قد أعادني العلاج سنوات إى الوراء" حد يطول يرجع شباب تاني!".
حاولت أن أستثمر الوقت قدر استطاعتي، ومرت الإجازة بحلوها ومرها بألمها وفرحها، وهاقد عادت المواجهة من جديد، فلا تزال بيننا جولة ان لم تكن جولات، فالتحسن الذي حققه العلاج لا يزال ضئيلا ولكنه على الأقل جعل الأمور مستقرة، كانت عيناي تتنقل في سطور تقرير الأشعة ودقات قلبي ترتفع، ليس خوفا من المرض، ولا من القادم ولكني في نفسي كنت ابتهل إلى ربي ألا تكون العودة إلى الكيماوي هو البديل اللازم، فمعناه إعلان حالة الطوارئ من جديد وانفصالي عن عائلتي لأعود الحاضرة الغائبة ثانية، ولكن ولله الحمد مدد الطبيب العلاج شهرين إضافيين، ها أنا ذا أملك شهرين آخرين، فلأحسن استغلالهما، ولا أضيعهما فيما لايفيد.
ان المشكلة لم تعد بالنسبة لي الخوف من المرض كما كنت في الماضي، فالموت سيأتي في موعده المحتوم الذي لا يعلمه إلا الله، ولكن حتى هذه الحظة أسأل الله ان يرزقني نعمة القدرة على العمل و الإنجاز والمشاركة، وأن أظل بين عائلتي أشاركهم، وأكون قادرة على مجاراتهم في أعمالهم ونشاطاتهم، واحقق حلمي الكبير في اتمام حفظ كتاب الله سبحانة، فقد انتصف الطريق، الهم اجعلني من أهلك وخاصتك واجعل كتابك شفعي ومؤنسي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

الأحد، 16 مايو 2010

البدايات دائما الأصعب

تظل البدايات هي دائما الأصعب، والأكثر ترقبا، وتوجسا، وريبة..

فبرغم كل ما قد يسيطر على الإنسان من مشاعر الثقة، والإيمان، والعزيمة، بل والسعادة أحيانا حين يقدم على عمل جديد بالنسبة له، يظل ذلك الإحساس بالترقب والرهبة يسيطر عليه، ويثير بداخله الكثير من المخاوف والوساوس التي لا مهرب منها إلا إلى الله رب العالمين فهو سبحانه الذي يؤتي كل نفس هداها، وهو الذي يقدر النجاح والفشل، ولعل هذا ما يفسر تلك الرهبة، فالإنسان مهما أوتي من علم، وقوة، ومهما عد واستعد، وحشد الحشود، وتسلح بكل علم وأمل يبقى توفيقه أو عدم توفيقه بيد الله سبحانة، فمن منا يملك من أمر نفسه شيئا؟!

لا أزال أذكر تلك السعادة التي غمرتني حين علمت أن علاجي الكيميائي القادم سيكون على شكل حبوب، ولكن تكون أدوية سائلة على شكل محاليل كما في المرة السابقة، لقد استكانت أوردتي المسكينة راحة حين شعرت أنها قد فرت من هذا الألم الذي كان يعتريها حين تنساب فيها تلك السوائل، وفر جسدي من ذلك الضعف والشحوب الذي يسيطر عليه، وكانت سعادتي أكبر حين علمن أن تلك الأدوية لن يكون لها آثار جانبية تذكر إلا بعض الطفح الجلدي، ياله من أثر طفيف إذا قورن بما سبق!

وشتان مابين تلك السعادة وبين الترقب الذي ألم بي في أول يوم يفترض أن آخذ فيه تلك الحبوب، لقد كنت مثل الطالب البليد الذي يفر من واجباته ويختلق الأعذار ليضيع الوقت هنا وهناك، أتهرب من تناول أول حبة بكل وسيلة، ولكن لم يكن أمامي بد في النهاية إلا الإستسلام، وتناولت الحبة الأولى ثم الثانية، ومرت أيامي الأولي ومشاعر الترقب والرهبة تسيطر علي، يا نفسي أين السعادة التي كانت؟! لما هذا التوجس؟! إنه ذات الإحساس الذي ألم بي حين ذهبت لأخذ أول جرعات الكيماوي، وكنت أرى في عيون أمي والممرضات الدعم والتشجيع والمؤازرة، ولكني اليوم في منزلي، مع جدران بيتي، وجدران خوفي منفردين، لا أجد غيرك ربي، أعني على ما ابتليتني، فأنا لما أنزلت إلي من خير فقير.

ولدي والطائر الصغير

رغم معرفتي ان من آمن أن القرآن يشفيه يقينا فإنه بالفعل يشفيه، والتزامي قراءة القرآن والرقية الشرعية منذ علمت بمرضي، إلاأنني كثيرا ما شعرت بأنني لا أملك هذا اليقين، وتساءلت عن هذا اليقين، و حقيقتة؟ وكيف نصل إليه نحن من عشنا حياة مادية لاتؤمن إلا بالمحسوس والملموس والمقدمات والنتائج، فرغم حرص الكثيرين منا على الرقية إلا أن الأمر بالنسبة لهم لا يتعدى كونه إحياءا للسنة، وإبراء للذمة على مبدأ "ومعذرة إلى ربكم"، ولكن ماذا عن اليقين الذي يأتي معه الشفاء؟، لقد ظننته شيئا غير موجود في عالمنا ومن الصعب الوصول إليه، فأكثرنا حين يرفع يدية بالدعاء يكون في قلبه شيئا من الجمود أو التبلد أو الجفوة، لا أعرف تحديدا كيف أسميها، ولكن هذا ليس الإيمان كما أتخيله، وليس القرب كما اتصوره، ذلك القرب الذي يملأ القلب نورا والفؤاد شوقا وحبا وتسليما، لقد عشت أيامي اجتهد وأسأل ربي هذا الأمر وكنت أظنه غير موجود، حتى في أحلك لحظات محنتي ظلمة كنت أشعر بشيء قاس يحتل فؤادي، ابتهل فلا تدمع عيناي، وان بكت العيون فلا يرتجف القلب، هناك شمعة لا تزال لم تضيء بعد، ولولا أنني شعرت بحلاوة ضوئها في لحظات قليلة كأنها الحلم لظننت أنها غير موجوده وأنني أسعى وراء السراب.
وجاءت الحظة التي رأيت اليقين ماثلا أمامي حقا، كان ذلك منذ أيام حين مرضت دجاجة ابني الصغير، وقفت المسكينة في أحد الأركان رافضة الماء والطعام، بالكاد تفتح عينيها، حاول معها بكل السبل دون جدوى فغادر وعقله لا يتوقف عن العمل في البحث عن وسيلة ناجعة لإنقاذ طيره المسكين.
بعد لحظات اقترب مني في تردد قائلا: هل يمكنك أن تقرئي عليها ما تقرئيه علينا من قرآن عندما نمرض؟
سيطرت على تعبيرات وجهي حتى لايشعر بأنني قد أسخر منه ومن محاولاته التي لا تعرف اليأس، واقترحت عليه ان يقوم هو بالأمر بنفسه، ثم لقنته ما سيقول، غاب لبعض الوقت ثم عاد وقد ملأت السكينة وجهه بعد أن أتم المهمة، وأمضى بقية يومه في الإبتهال إلى الله أن ينقذ طائره الصغير.
في صباح اليوم التالي، قمت لصلاة الفجر وأنا متلهفة لأرى ماذا حدث للدجاجة الصغيرة، وكانت المفاجأة لقد عادت لنشاطها المعهود ولشهيتها للطعام والشراب، لا أعرف لماذا شعرت بسعادة لا حدود لها، المشكلة في يقيننا وليس في القرآن، لقد ملك الطفل الصغير اليقين الذي لا تشوبه الشكوك والظنون، ولم تلوث صفحته الذنوب، ملك الفطرة التي تستطيع أن تؤمن يقينا وصدقا، ولهذا جنى ثمرة إيمانه غضة يانعة، هكذا يكون اليقين ومن هنا يأتي الشفاء،ولكن يبقى السؤال كيف السبيل لهذا اليقين؟، وكيف ننقى فطرتنا التي لوثتها أياد مدنية لهثنا وراءها فأكسبتنا الراحة والرفاهية وقسوة القلوب؟
ربي برحمتك استغيث، فأنت ملجئي وملاذي فأعني، وخذ بيدي إلى دوحة ايمانك الغناء حيث السكينة والطمأنينة واليقين.

الجمعة، 30 أبريل 2010

الكيماوي وداعا

مع اقتراب جرعات الكيماوي من نهايتها كان جسدي المسكين يزداد ضعفا وشحوبا، وان كانت آلامي بدات تتراجع مع اضمحلال الورم شيئا فشيئا، وأوردتي المسكينة بدأت تصرخ ألما ، وكان ألمها يزداد في كل مرة، ولكن النجاح الذي يحققه العلاج جعل الألم يهون، واقتراب النهاية دفعني لأشد نفسي وأزيد من مؤازرتها وتشجيعها، هيا يانفس لم يعد أمامنا الكثير، لقد مر معظم الطريق ولم يعد أمامنا سوى القليل، ان كنت تتألمين فمن من البشر لا يتألم ولكن كل كما قدر له ربه، فهل نحن إلا في اختبار كبير، استمري فقد أبليت حسنا حتى الآن وعليك إكمال المسير،استعيني بالله، تذكري الثواب الكبير الذي ينتظرنا، لا تسمحي للضعف ان يصل إليك، سدي على القنوط كل سبيل، لقد قررنا أن نحيا أقوياء، وأن نسعى ان لم نحقق النجاح في الدنيا أن يكون لنا بإذن الله مكانا في الجنة بين الصابرين المحتسبين، ياله من هدف يستحق العناء فلأجل ذلك فليعمل العاملون وليتنافس المتنافسون، ان أردت التأوه فليكن ذلك بين يدي ربك، اسكبي العبرات عند بابه، انظري هاهو شعاعه الأمل يزداد لمعانا وبريقا يوما بعد يوم حتى كاد يحول حياتنا لنهار مشرق.

مع مرور جرعات الكيماوي، كانت الوجوه التي أقابلها قد أصبحت مألوفة لي تجمعنا غرفة العلاج، تتقابل الأسرة، كلمة من هنا، دعاء من هناكمشاركة في الهم نفسه، دفعات من الأمل تتبادلها المريضات، نلتقي على الأمل، ونتفارق على دعوات متبادلة بالصحة والعافية، انهاء إحدانا لجرعاتها فيض أمل تبثه في قلوب الأخريات، ودخول مريضة جديدة يدفعنا لمؤازرتها بأن الطريق سيهون بالصبر والدعاء.

ورغم ذلك كم كنت أشعر بالسعادة حين يقرر الطبيب لأي سبب تأجيل موعد جرعتي، فعدم أخذ الجرعة في موعدها يعني بضع أيام بلا آلام معدة أو دوار أو شحوب، ويالها من أيام ثمينة يمكنني أن أمارس فيها حياتي بشكل طبيعي، وأغتنمها في عمل شيء مفيد، قبل أن أدخل في جولة جديدة من الضعف في رحلتي مع الكيماوي.

لم استطع ان امنع نفسي من التحسر على الأيام التي أضعتها من حياتي وقت القوة في لاشيء، وعلى الأعمال التي أجلتها وأنا بكامل صحتي. آه..ما أكثر تلك الأوقات التي تضيع من حياتنا، ليتني أستطيع أن أصيح لأنبه الناس بألا يضيعوا ساعة قد لا تأتي من جديد، ولا يأجلو عمل يريدون القيام به فلا يعلم أمر الغد إلا الله وحده.

الكيماوي من جديد

لا شيء أصعب على انسان صعد إلى الدور الثاني عشر على قدمية من أن يكتشف أنه قد وصل للمكان الخاطئ وأن عليه أن يعيد الكرة من جديد، ولا شيء أصعب على مريض السرطان من أن يكتشف أن المرض قد عاد للظهور وأن عليه أن يسير في طريق العلاج ثانية.
لقد عادت ذاكرت شهورا للوراء، تذكرت إحدى الزميلات التي جمعني القدر بها أثناء تلقي جرعات الكيماوي كنت أرى دموعها، فأتمنى لو أذهب أليها ناصحة إياها بالصبر، والإحتساب، فقد سبق لها الإصابة منذ سنوات بالمرض ومن الله عليها بالشفاء، وكنت أقول لنفسي يجب أن تكون أكثر قوة، ولكني اليوم بعد أن وجدت نفسي أعود للصراع مع المرض من جديد أقدر شعورها، إنه إحساس العارف الذي يعيش المصاعب للمرة الثانية، ويعيد صعود السلم الصعب من جديد، وتطارده أشباح المخاوف والآلام والتساؤلات الحيرى ثانية دون أن تعطيه الفرصة للراحة والتقاط الأنفاس.
لقد زف لي طبيبي البشرى بأن العلاج هذه المرة سيكون على شكل أقراص ولن يكون له نفس الآثار السيئة للعلاج الكيماوي، لقد بث هذا الخبر الكثير من البشر إلى نفسي، ولكن يظل السؤال، هل هذه الأقراص ستكون نهاية المطاف في رحلة العلاج أم أنها مجرد وسيلة لتأخير زحف جيش من المتاعب والالام قادم في الطريق لا محالة؟!
سيظل هذا السؤال بلا إجابة فالشفاء بيد الله سبحانه، هو القادر عليه، وكل ما يحدث مجرد محاولات لن يكتب لها النجاح إلا بإدراته سبحانه، أما اليوم فأنا بحمده أشعر بالعافية رغم كل ما بي من مرض لم يكشف عن وجهه القبيح بعد إلا من خلال التقارير الطبية، فليكن اليوم أفضل، ولنترك التفكير في الغد لخالقه ومدبر أمره فهو القادر على أن ينزل علي رحمة من عنده ويرفع البلاء، ولا يسعني إلا أن أردد دعاء نبي الله أيوب " ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين"

10 ساعات بعيدا عن العالم

10 ساعات فصلتني عن الحياة ثم عدت من جديد.
10 ساعات كنت خلالها أقرب إلى حياة سكان القبور منها إلى حياة سكان الأرض.
10 ساعات مرت علي كأنها دقائق معدودة وعلى من ينتظرني كأنها سنوات طويلة.
أغمضت عيني السابعة صباحا وأنا أردد الشهادة وأسبح ربي عسى أن يكون ذلك آخر عهدي بهذه الدنيا، وفتحتها في الخامسة مساءا وأنا أعاني من آلام عديدة لا أعرف لها مصدرا ولا مكانا محددا، أغمضتهما وأنا برئتين كاملتين لأفتحهما بثلث رئة مفقود، وصدر مشقوق وجرح طوله 40سم.
10 ساعات لم أشعر خلالها بشئ لكنها غيرت حياتي تماما فمعها قد عدت من جديد.
عدت من جديد..كلمات ثلاث تصف بدقة ما حدث خلال تلك الساعات العشرة التي مرت علي كأنها إغفاءة قليلة، ولكن الفارق مابين الغفوة والإستيقاظ كان كما الفارق بين الحياة والموت.
لقد عشت ليلتي قبل العملية وكأنها ليلتي الأخيرة، ليس خوفا، ولا قنوطا، ولا يأسا من رحمة الله بقدر ما كان تسليما وتطبيقا لوصية الرسول الكريم بأن نعمل للآخرة كأننا نموت غدا، وهل هناك موت أكثر من الإستسلام لمشرط الجراح في جراحة كبرى؟! لقد صليت ثم كتبت وصيتي وتركتها في درج غرفتي مستودعة إياها ربي، فلم أشأ ان اسلمها لأي انسان ليسمعني محاضرة عن الأمل وعن ضرورة عدم اليأس وانتظار الأفضل، فهل هناك أمل أكثر من ان تسأل ربك العافية ثم تؤدي أمانتك وتنام قرير العين حتى تحين لحظة بداية الرحلة التي لا يعلم نهايتها إلا الله ساعدني على ذلك المهدئ الذي أوصى لي به الطبيب، وان كنت في وقتها قد شعرت بطمأنينة لم أعهدها من قبل.
لقد كان بقائي منفردة في المستشفى ليلة الجراجة أكثر القرارات صوابا، فما أحسن للإنسان في تلك اللحظات من أن يتصالح مع نفسه ويحاورها، ويرتب عليها ويهدئ من روعها، فهو الأخبر بها والأدرى بأحوالها، مستعينا بالله على ذلك سائلا إياه العافية والطمانينة وهو القادر على بثها في كل نفس تطلبها وتصدق في طلبها، وتسعى لها بصدق، أما أن تطلبها عند انسان آخر قد يملك من الضعف أضعاف ما تملك فهذا هو الهراء بعينه.
هكذا سلمت أمري لربي وأغمضت عيني وأنا لا أعرف هل سأفتحهما لأرى تلك الوجوه الحبية من جديد أم أن تلك اللحظات ستكون آخر عهدي بها، وشتان بين ما أغمضت عيناي عليه، وبين ما فتحتهما أمامه، لقد كانت كشافات غرفة العمليات الباردة وقناع الأكسجين يغطي نصف وجهي وأنا أحاول جاهدة أن تكون الشهادتين آخر ما انطق به وحولي عدد لا أذكرة من الأطباء والممرضات كل يقوم بعمل محدد بسرعة ودقة هو آخر عهدي بالدنيا، وحين فتحت عيناي شعرت بفراشي يهتز وهو يتحرك عائدا لغرفتي وحولي عدد غير قليل من الأطباء والممرضات، وأنا أغص بما في حلقي من مخلفات الجراحة والطبيب يطلب منى طرد تلك المخلفات قدر طاقتي، والألم يلف جسمي لا أكاد أعرف من أين يأتي، البرودة تلف أوصالي والممرضات يتسابقن لتدفئتي بالمزيد من الأغطية، ولكني هنا من جديد، ولكني أكثر ضعفا وألما مثل وليد صغير يرقب من حوله أن يصرخ صرخة الحياة، لقد عدت من رحلتي التي مرت في دقائق معدودات كانت ساعات طويلة على من ينتظرني، وعلي أن أتحمل المزيد من الآلام حتى تلتئم جراحي، وأستعيد عافيتي، وان كنت لم أستطيع أن أمنع نفسي من التفكير في إحساس الإنسان بعد الموت، هل سيختلف كثيرا عن إحساسي حين كنت في غرفة العمليات حين انفصلت عن هذا العالم، وعدت إليه من جديد، ربي لك الحمد على الحياة بعد الموت، والنجاة من الهلاك، ربي اتمم نعمتك علي فأنت وحدك القادر على ذلك.

الأحد، 25 أبريل 2010

تأملات خائفة

ما أرحم الله بنا حين أخفى عنا موعد موتنا الذي يقتر منا على الدوام، فياله من خوف يسيطر على المرء حين يشعر طوال الوقت أن الموت يطارده، وأن الأجل قد حان، يصبح التفكير في الغد شيء هزلي خيالي.
من منا لايعرف ان الموت هو الحقيقة التي نعيش من أجل الوصول إليها ونستعد لها منذ أن صرخنا صرخة الميلاد، لكن الفرق بين أن تعرف هذه الحقيقة وان تعيش فيها هو الفرق بين الأرض والسماء.
ان من يستشعر الموت في كل لحظة كمن تتعلق عيناه بعقارب الساعة التي لا تتوقف عن الدوران منتظرا صافرة النهاية، أو خبرا أو حدثا على وشك الحدوث، يصبح استمتاعه بالحياة مسالة وقتية، الضحكة مرة بمرارة السيف المسلط على رقبته، حقا كلنا نعيش بهذا السيف، ولكن شتان بين أن يكون موجودا، وأن تشعر ببرودته على نحرك، وينعكس لمعان نصله على محياك.
هكذا أشعر ويشعر كل من واجه الموت بأي وسيلة كانت، ولكن تختلف ردود الأفعال.. كثيرا ما تنخفض حالتي المعنوية إلى الصفر، بل إلى مادونه، أشعر بجدران المنزل تنطبق على صدري، اتمنى لو أن لي صوتا أقوى وأقوى فأصرخ بكل ما أوتيت من قوة، أو أن أملك جناحان لأحلق عاليا هربا من تلك الجدران، ولكن لا مهرب من القدر، علي ان أواجه وأن أعيش اليوم وأنتظر الغد، ولا أكل فلا يقنط من رحمة الله إلا القوم الكافرون، اللهم لا تجعلني منهم، اللهم لا تجعلني منهم، اللهم لا تجعلني منهم.
أحيانا أخرى أشعر وكأنني انظر إلى كل ما يحدث وكأنني في حلم مزعج، أحاول الإستيقاظ فلا أستطيع، هل حقا يحدث لي كل ذلك، هل حقا يجب أن أستعد لما هو أسوأ، أم أن الحلم سينتهي وأعاود الإستيقاظ من جديد؟؟
يحل المساء فألجأ إلى فراشي، أطالع الظلمة من حولي فأستشعر ظلمة القبر، أشعر أن غطائي هو الكفن، أحاول أن أتخيل كيف يكون إحساس المرء في تلك الحظة، يقف عقلي عاجزا، ويخفق قلبي خوفا من المجهول، ياله من شعور مهيب أشفق على نفسي منه!
إنها لحظات لا أستطيع لها دفعا، وأفكارا لا أجد منها مهربا، ومخاوف تصر على ملاحقتي، ولكن رحمتك ربي أوسع وأوسع، فأنت ملاذي وملجئي، فوضت أمري إليك فأجرني من ضعف نفسي ومن قلة حيلتي، وارزقني الصبر على البلاء، ربي أستغيث بك من نفسي، فيا مغيث أغثني، يا مغيث أغثني، يا مغيث أغثني.

وجوه تنبض بالحياة

إذا ساقتك قدماك قدرا إلى مركز أو مستشفى لعلاج السرطان، فما هو الإحساس الذي سيسيطر عليك؟؟.. هل ستشعر بالشفقة على هؤلاء المرضى وتدعو لهم بالشفاء، وتشكر اله على نعمة العافية؟؟..لا شك أن هذا سيكون جواب الكثيرين منا، بل أن البعض سيسارع بالخروج من هذا المكان الكئيب الذي يبعث الوجود بداخله على الألم بل والخوف أحيانا، خاصة وأن معظمنا يستشعر الموت وهو يحوم حول هذا المكان، وهكذا كنت أشعر انا أيضا في المرات القليلة التي مررت بهذا المكان، فقد تزامنت كلمة سرطان في أذهاننا مع كلمة ألم شديد ومعاناة ثم موت، ولكنني حين دخلتها مريضة أحمل بين يدي تحاليلي وأشعاتي وفحوصاتي وجدت للأمر نظرة جديدة.
سيسيطر عليك إحساس غريب وأنت تخطو إلى هناك على قدميك لا تتمزق ألما، وتزداد دهشتك وانت تتفرس في الوجوه التي تنتظر دورها في الدخول للطبيب، انهم أصحاء مثلنا، أو هكذا يبدون، يتحدثون، يتحركون، يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، نساء تقضين الوقت في الثرثرة، ورجال في قراءة الصحف، بل أن بعضهم كان يأخذ جرعة الكيماوي أو جلسة الإشعاع ثم يتجه إلى عمله، ومنهم من كان يتابع عمله ومهامه بالهاتف أثناء تلقي العلاج، وإذا خرجوا للشارع لن يصدق من يراهم أن هذا الإنسان مريض بهذا المرض الخطير، وأنه قد خرج توا من جلسة علاج، هكذا هم يمارسون حياتهم مثلنا تماما، وهكذا تعلمت منهم، وقررت أن أكون.
حقا إن المرض خطير، ومضاعفاته أخطر، والشفاء منه لا يكون إلا برحمة الله فهو حقا خبيث لايعرف غدراته ومفاجآته إلا الله، ولكن الإصابة به لا تعني أن الأمر قد انتهى وأن الحياة قد توقفت، فلنا في هذه الحياة أيام سنُسأل عنها، وساعات نحن من سنختار كيف نقضيها، ولا يزال معنا جسد قادر على العطاء والعمل، فالأمل موجود مادام في جنباتنا نفس يتردد، وطالما كان لنا رب سميع مجيب قادر على كل شيء رحيم بعباده يغيث الملهوف ويكشف السوء، ومادام لنا ألسنة تلهج بالدعاء وقلوب محبة تدعو لنا بظهر الغيب.