الاثنين، 27 ديسمبر 2010

قعيده أم مريضه؟

ايهما أصعب على الإنسان أن يكون مريضا أم أن يكون مقعدا عاجزا عن الحركة؟
رغم أن هذا السؤال لم يخطر على بالي من قبل، ولم أفكر فيه، إلا ان ظروفي الصحية في الفترة الأخيره فرضته علي فرضا، لقد كانت قدمي المسكينه تئن ولكنني كنت أصر على أن تمارس عملها بشكل طبيعي طالما بها بقية عافية تمكنها من ذلك، وكانت ترضخ لأوامري الصارمة باستسلام فلا حيلة لهاخاصة وأنني لم أكن مستعدة أن يكون المرض سببا كافيا لأترك مسئولياتي التي وضعتها على عاتقي سواء بإرادتي أو بقدري فها أنا لاأزال قادرة على الحركه.
ولكن مع الوقت بدأت الأمور تأخذ في التراجع نحو الأسوأ، لقد أصبح العمل الذي لا يحتاج إلا لعشر دقائق من أجل انجازه يستغرق مني نصف ساعة، أصبحت قدمي تسير معي رغما عنها، بدأ الثقل يغزو ذراعي والخدر يزحف إلى نصف جسدي الأيسر، ولكن بلا ألم، وهذا ما دفعني للتساؤل ، هل سيكون مصيري أن أصبح عاجزة عن الحركة؟! لقد فتح أمامي هذا التساؤل خيالات لا حصر لها، هل معنى هذا أن أتخلى عن دراستي التي قاربت على انهائها؟ هل معنى هذا أن أترك بيتي الذي لن أستطيع الوصول إليه لأنه في الطابق الخامس، و مكون من طابقين، هل سأكون محتاجه للعون في كل حركه؟ بدأت أخطط لحياتي وأتخيلها وأنا على كرسي متحرك، كم كان التخطيط صعبا وقاسيا، سنوات المرض وما مررت به كله لم تكن شيئا أمام هذه اللحظات، في آخر يوم قدت فيه السيارة قبل دخولي المستشفى استغرقت ربع ساعة كاملة للنزول من البيت والجلوس على كرسي السيارة كان الأمر أشبه بالمعاناة، خنقتني العبرات، لكني أبيت إلا أن أكمل الطريق فطالما أنا قادرة فلن أستسلم، دعوت ربي أن يخفف عني وألا يحملني مالا أطيق، وقد كان، تراجع شبح التقاعد، وعدت من جديد اسير بشكل شبه طبيعي، وأقود السيارة، وأذهب حيث أشاء، وأنا أحمد الله على نعمة الحركة فبالنسبة لي المرض أهون آلاف المرات من أن أصبح عاجزة عن الحركة، اللهم لا تحرمني نعمة الحركة في سبيلك وابتغاء مرضاتك، واجعل حركاتي خالصة لك وارزقني بكل حركة أجرا، ولا تحملني بذنوبي وضعفي وقلة إيماني ما لا أطيق، وارحمني برحمتك التي وسعت كل شيء.

الجمعة، 17 ديسمبر 2010

على صعيد عرفات

وبدأت الجولة الثالثة، جولة غير كل الجولات، بدأتها على غير موعد، وخرجت منها بعد النزال الأول بمكاسب لا تحصى وصداقات لا تعد وحب لا يتسع له الكون، وسكينة لم أعرفها من قبل، انها جولة الكنوز والمكاسب، لا يهم من سينتصر في النهاية المرض أم أنا ولكني اليوم غير ما كنت عليه بالأمس، لقد ولدت من جديد من رحم هذا النزال، قلبي مختلف، فكري على غير عادته، في نفسي شيء لم أعهده من قبل، إنه اليقين، لقد أخذ ربي بيدي أخيرا وأوصلني لحبه والرضا بقضائه، لقد كنت أظن أنني كذلك من قبل، ولكني اليوم قد ذقت حلاوة لم أعهدها، وعشت مشاعر لم أألفها، كنت كمن يحلق في سماء رحبة بلا حدود، ترفرف حولي القلوب.
لقد حملني هذا الرضا وتلك السكينة على إخفاء الخبر عن أهلى ومن أحب، فكيف يصبر من يشكو لغير ربه؟! ثم كيف يمكن لمحب ان يتحمل أن يكون مصدر قلق وألم لمن يحبهم؟ وان يحول ساعات السعادة في حياتهم إلى شقاء، والأعياد والأفراح إلى أحزان؟!
ان كان في الكون محب بهذا الشكل فلست انا هذا المحب، خاصة لك يا أمي فليس أشد على نفسي من أكون سبب ألمك منذ سنوات ومبعث قلقك الدائم أنت من يفترض بي أن ابرك، وادخل السعادة إلى قلبك.
ايتها القلوب المحبة سامحوني، لم أقصد أن أخفي عليكم ألمي، ولكني آثرتكم على نفسي، واستبدلت بأعيادكم أعيادي، وبفرحكم أفراحي، ونأيت عنكم بآلامي برا وحبا فلا تلوموني.
لقد منعني قلبي المحب وعقلي ان ابث أليكم ألمي وانتم بعيدين عني فالمسافات ستجعل من الهم هموما ومن الغم غموما ومن الألم آلام، ثم ما النتيجة بعد كل هذا سأظل أنا على حالي وانتم على حالكم، فان كنت لا استطيع لنفسي شيئا فإنني استطيع ان ابعدكم عن القلق ولا أفسد عليكم العيد، وقد كان لي ما أردت بحمد ربي فعوضني بقلوب محبه، ودعوات لا عدد لها ولا حصر، وعيد غير كل الأعياد لا أعتبره على فراش المرض، بل بين يدي الله، لقد قضيت العيد مع ربي، تحفني الملائكه، صدقوني شعرت بها، وعشت أيام سكينة لا مثيل لها، وخرجت من هذه المنحة بعطايا لا أحصي لها عددا وبحب يملأ الكون ويفيض، لقد شعرت وكأنني على صعيد عرفات.

الأحد، 12 ديسمبر 2010

شعاع الشمس

ما أجمل شعاع الشمس حسن يتسلل هاتكا حجب غرفة مظلمة، انه النور الذي يصر ان يدخل حياتنا في احلك لحظاتها صعوبة مع سبق الإصرار، ويصر ان يجعل لها وقعا مختلف.
لا شك ان الإنسان مهما كان حين يفكر في محنه بشكل مختلف سيرى تلك الأشعة العنيدة التي تصر على الدخول مرافقة كل محنة، وملازمة لكل أزمة، انها الرحمات التي ترافق ابتلاءات رب العباد، فيهون بها على من يصبر ويحتسب، اما من يسخط فليس له إلا السخط، فيرى في تلك الأشعة ما يعكر صفو لياليه، ويهتك حجب أيامه التي أرادها أحلك من الظلمات في بحر لجي.
هذه لم تكن شعارات، ولم تكن عبارت منمقة اسوقها من أجل بث الأمل في النفوس ففي لحظات الضعف شعرت بأياد محبة قوية تدفعني لأمام وتشد من أزري وألسنة مؤمنة تلهج لي بالدعاء ، كنت اشعر وكأنني اسمع همساتها تحت جنح اليل، قلوب محبة في الله، يالله كل هذا الحب لي أنا، كل هذه القلوب حولي، كل هذه الأيادي من أجلي، ربي كم أحبك وأحب كل من أحبني فيك.
كم كان حزني شديد حين حاولت أن أصوم أيام ذي الحجة فلم استطع، عاهدت نفسي على الإجتهاد قدر طاقتي، ولكن طاقتي لم تكن قدر عزمي، كان الضعف يصر أن يمنعني ويعوقني، فماذا عساي أن أفعل غير أن أسألك ربي العفو وحسن الثواب والدرجة العالية، فلم تكن إجابته بعيده، لقد عوضني ببلاء أسأله أن يجعله في ميزاني ويرفع به درجاتي، ويدفع به عني خطيئاتي، وأن يجعله قدر احتمالي، وألا يجعلني من القانطين.
حين استرجع ما مر بي خلال الفترة السابقة أجدني اتساءل: هل كل هذا الثواب من أجلي؟ وهل أنا الأمة الضعيفة أستحق هذا كله؟ من أنا وماذا فعلت؟ ان كل ما أفعله وما عملته سيكون هباءا أمام رحماتك ربي ونعمك التي لاتعد ولا تحصى، قرآن يتلى، وصحبة في طاعة، وقلوب محبة، وبلاء لعله يرفع الدرجة، ويزيد الثواب، فهل عساي أطمع في المزيد؟!
نعم ربي، فانا أمتك الضعيفة وليس لي رب سواك ان لم نشفني وترحم ضعفي وزلاتي فمن يرحمني غيرك، ربي أسألك ياذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا ولا يحصيه غيرك ان تشفني شفاءا لا يغادر سقما فأنت القادر على ذلك وأنت مسبب الأسباب والهادي إلى طريق الرشاد فيسر لي سبل العلاج ، واجعل كل ذلك في ميزاني، وارفع به درجاتي، ولا تحرمني صحبة كتابك والقلوب التي متعتني بقربها في رحابه، واتم علي نعمة حفظ كتابك وتجويده، واجعلني به من أهلك وخاصتك.

الاثنين، 1 نوفمبر 2010

ما بين الرضا والرضا

هل الرضا يعني ان نقف موقف المتفرج أمام ما يحدث لنا، ونصر أن نرسم على محيانا ابتسامة بلهاء لا معنى لها، تجعلنا موسومين بالبهلاهة أمام أنفسنا وأمام الأخرين؟!... إذا كان هذا الرضا كما يقول به البعض فأنا أعلنها واضحة جليه أنني غير راضية... فشتان شتان بين الرضا والإستسلام، الرضا أن أتقبل ما أنا فيه، وأعمل على التكيف معه، وأرفض اليأس وأسعى في كل الطرق دون كلل أو ملل، وأعيش حياتي كما أرادها الله لعباده المؤمنين دون كلل أو ملل، أواجه الغرق بكل سلاح ممكن، وأصارع الموج حتى الرمق الأخير وأنا واثقة أن الله لم يفعل ذلك بي إلا لخير أراده حتى لو عجز نظري القاصر عن ادراكه، أبحث عن بصيص الضوء في كل ظلمة، ولا أترك نفسي للموج يتقاذفها من كل جانب وأنتظر الموجة القاضية دون أن أحاول لها دفعا، ولكن كيف السبيل لذلك أمام المرض الذي يصر على التشبس بي والضعف الذي يتسلل إلأى قدمي وجعل صعبه، ماذا عساي أن أفعل وهل أملك إلا أن آخذ الدواء بإ،تظام وأنتظر؟!
لقد كان هذا التساؤل الصعب هو ما حاولت الإجابة عليه، ووجدتني لو اكتفيت بالإنتظار فكأنما انتظر الموت وأنا فاتحة له ذراعي، حقا هو مصيرنا جميعا، ولكني الآن في الدنيا لايمكن أن أعيش أيامي وأنا أنتظر الموت، فكلنا سنموت، ولكننا لابد أن نعيش لدنيانا كأننا نعيش أبدا كما نعمل لآخرتنا كأننا نموت غدا، لهذا قررت أن أبذل المزيد من الجهد في الدعاء والرقية لنفسي سائلة ربي الشفاء، وأ، أتبع نظاما غذائيا يبتعد عن الأطعمة التي أثبتت الأبحاث أن الخلايا السرطانية تتغذى عليها، كما بدأـ أسعى للحصول على لبن الإبل وبوله بإنتظام، وقررت ألا أجعل من قدمي التي تسير بصعوبة ذريعة للتخلي عن دروسي، فالحمد لله أن المشكلة في قدمي اليسرى، وأنا أقود السيارة باليمنى فالذهاب للدرس لن يكون صعبا.
هكذا عقدت الهمة من جديد، وقررت أن أغوص في بحر الرضا، واستمتع بحاتي، وأحول صراعي مع المرض لجولات أسأل الله أن يرزقني فيها النصر، وأن يجعل من قدمي التي تحملني بصعوبة إلى دروسي إثباتا لصدق نيتي في حفظ كتاب الله.
أما الضيق الذي قد يعتريني من وقت لآخر والخوف الذي قد يداعب شغاف قلبي، فاجعل منه زادا يزيدني إصرارا على المضي قدما فيما بدأته.
ربي لا تبتليني في عقلي واجعل قلبي حاضرا في طاعتك، وفؤادي عامرا بالإيمان حتى آخر نفس في صدري، واجعل الرضا صديقى، فأن أعيش حياتي بلا أمل، وتمر ساعاتي بلا هدف هو في عيني الموت نفسه.

الأربعاء، 29 سبتمبر 2010

وبدأت جولة جديده

مرت شهور منذ بدأت في تناول علاجي الجديد، أهم ما فيه انني عشت حياتي بطريقة عادية، تعايشت مع البثور التي ملأت وجهي، ذكرتني بأيام المراهقة فما أشبهها بحب الشباب، كنت أتأملها فأقول ها قد أعادني العلاج سنوات إى الوراء" حد يطول يرجع شباب تاني!".
حاولت أن أستثمر الوقت قدر استطاعتي، ومرت الإجازة بحلوها ومرها بألمها وفرحها، وهاقد عادت المواجهة من جديد، فلا تزال بيننا جولة ان لم تكن جولات، فالتحسن الذي حققه العلاج لا يزال ضئيلا ولكنه على الأقل جعل الأمور مستقرة، كانت عيناي تتنقل في سطور تقرير الأشعة ودقات قلبي ترتفع، ليس خوفا من المرض، ولا من القادم ولكني في نفسي كنت ابتهل إلى ربي ألا تكون العودة إلى الكيماوي هو البديل اللازم، فمعناه إعلان حالة الطوارئ من جديد وانفصالي عن عائلتي لأعود الحاضرة الغائبة ثانية، ولكن ولله الحمد مدد الطبيب العلاج شهرين إضافيين، ها أنا ذا أملك شهرين آخرين، فلأحسن استغلالهما، ولا أضيعهما فيما لايفيد.
ان المشكلة لم تعد بالنسبة لي الخوف من المرض كما كنت في الماضي، فالموت سيأتي في موعده المحتوم الذي لا يعلمه إلا الله، ولكن حتى هذه الحظة أسأل الله ان يرزقني نعمة القدرة على العمل و الإنجاز والمشاركة، وأن أظل بين عائلتي أشاركهم، وأكون قادرة على مجاراتهم في أعمالهم ونشاطاتهم، واحقق حلمي الكبير في اتمام حفظ كتاب الله سبحانة، فقد انتصف الطريق، الهم اجعلني من أهلك وخاصتك واجعل كتابك شفعي ومؤنسي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

الأحد، 16 مايو 2010

البدايات دائما الأصعب

تظل البدايات هي دائما الأصعب، والأكثر ترقبا، وتوجسا، وريبة..

فبرغم كل ما قد يسيطر على الإنسان من مشاعر الثقة، والإيمان، والعزيمة، بل والسعادة أحيانا حين يقدم على عمل جديد بالنسبة له، يظل ذلك الإحساس بالترقب والرهبة يسيطر عليه، ويثير بداخله الكثير من المخاوف والوساوس التي لا مهرب منها إلا إلى الله رب العالمين فهو سبحانه الذي يؤتي كل نفس هداها، وهو الذي يقدر النجاح والفشل، ولعل هذا ما يفسر تلك الرهبة، فالإنسان مهما أوتي من علم، وقوة، ومهما عد واستعد، وحشد الحشود، وتسلح بكل علم وأمل يبقى توفيقه أو عدم توفيقه بيد الله سبحانة، فمن منا يملك من أمر نفسه شيئا؟!

لا أزال أذكر تلك السعادة التي غمرتني حين علمت أن علاجي الكيميائي القادم سيكون على شكل حبوب، ولكن تكون أدوية سائلة على شكل محاليل كما في المرة السابقة، لقد استكانت أوردتي المسكينة راحة حين شعرت أنها قد فرت من هذا الألم الذي كان يعتريها حين تنساب فيها تلك السوائل، وفر جسدي من ذلك الضعف والشحوب الذي يسيطر عليه، وكانت سعادتي أكبر حين علمن أن تلك الأدوية لن يكون لها آثار جانبية تذكر إلا بعض الطفح الجلدي، ياله من أثر طفيف إذا قورن بما سبق!

وشتان مابين تلك السعادة وبين الترقب الذي ألم بي في أول يوم يفترض أن آخذ فيه تلك الحبوب، لقد كنت مثل الطالب البليد الذي يفر من واجباته ويختلق الأعذار ليضيع الوقت هنا وهناك، أتهرب من تناول أول حبة بكل وسيلة، ولكن لم يكن أمامي بد في النهاية إلا الإستسلام، وتناولت الحبة الأولى ثم الثانية، ومرت أيامي الأولي ومشاعر الترقب والرهبة تسيطر علي، يا نفسي أين السعادة التي كانت؟! لما هذا التوجس؟! إنه ذات الإحساس الذي ألم بي حين ذهبت لأخذ أول جرعات الكيماوي، وكنت أرى في عيون أمي والممرضات الدعم والتشجيع والمؤازرة، ولكني اليوم في منزلي، مع جدران بيتي، وجدران خوفي منفردين، لا أجد غيرك ربي، أعني على ما ابتليتني، فأنا لما أنزلت إلي من خير فقير.

ولدي والطائر الصغير

رغم معرفتي ان من آمن أن القرآن يشفيه يقينا فإنه بالفعل يشفيه، والتزامي قراءة القرآن والرقية الشرعية منذ علمت بمرضي، إلاأنني كثيرا ما شعرت بأنني لا أملك هذا اليقين، وتساءلت عن هذا اليقين، و حقيقتة؟ وكيف نصل إليه نحن من عشنا حياة مادية لاتؤمن إلا بالمحسوس والملموس والمقدمات والنتائج، فرغم حرص الكثيرين منا على الرقية إلا أن الأمر بالنسبة لهم لا يتعدى كونه إحياءا للسنة، وإبراء للذمة على مبدأ "ومعذرة إلى ربكم"، ولكن ماذا عن اليقين الذي يأتي معه الشفاء؟، لقد ظننته شيئا غير موجود في عالمنا ومن الصعب الوصول إليه، فأكثرنا حين يرفع يدية بالدعاء يكون في قلبه شيئا من الجمود أو التبلد أو الجفوة، لا أعرف تحديدا كيف أسميها، ولكن هذا ليس الإيمان كما أتخيله، وليس القرب كما اتصوره، ذلك القرب الذي يملأ القلب نورا والفؤاد شوقا وحبا وتسليما، لقد عشت أيامي اجتهد وأسأل ربي هذا الأمر وكنت أظنه غير موجود، حتى في أحلك لحظات محنتي ظلمة كنت أشعر بشيء قاس يحتل فؤادي، ابتهل فلا تدمع عيناي، وان بكت العيون فلا يرتجف القلب، هناك شمعة لا تزال لم تضيء بعد، ولولا أنني شعرت بحلاوة ضوئها في لحظات قليلة كأنها الحلم لظننت أنها غير موجوده وأنني أسعى وراء السراب.
وجاءت الحظة التي رأيت اليقين ماثلا أمامي حقا، كان ذلك منذ أيام حين مرضت دجاجة ابني الصغير، وقفت المسكينة في أحد الأركان رافضة الماء والطعام، بالكاد تفتح عينيها، حاول معها بكل السبل دون جدوى فغادر وعقله لا يتوقف عن العمل في البحث عن وسيلة ناجعة لإنقاذ طيره المسكين.
بعد لحظات اقترب مني في تردد قائلا: هل يمكنك أن تقرئي عليها ما تقرئيه علينا من قرآن عندما نمرض؟
سيطرت على تعبيرات وجهي حتى لايشعر بأنني قد أسخر منه ومن محاولاته التي لا تعرف اليأس، واقترحت عليه ان يقوم هو بالأمر بنفسه، ثم لقنته ما سيقول، غاب لبعض الوقت ثم عاد وقد ملأت السكينة وجهه بعد أن أتم المهمة، وأمضى بقية يومه في الإبتهال إلى الله أن ينقذ طائره الصغير.
في صباح اليوم التالي، قمت لصلاة الفجر وأنا متلهفة لأرى ماذا حدث للدجاجة الصغيرة، وكانت المفاجأة لقد عادت لنشاطها المعهود ولشهيتها للطعام والشراب، لا أعرف لماذا شعرت بسعادة لا حدود لها، المشكلة في يقيننا وليس في القرآن، لقد ملك الطفل الصغير اليقين الذي لا تشوبه الشكوك والظنون، ولم تلوث صفحته الذنوب، ملك الفطرة التي تستطيع أن تؤمن يقينا وصدقا، ولهذا جنى ثمرة إيمانه غضة يانعة، هكذا يكون اليقين ومن هنا يأتي الشفاء،ولكن يبقى السؤال كيف السبيل لهذا اليقين؟، وكيف ننقى فطرتنا التي لوثتها أياد مدنية لهثنا وراءها فأكسبتنا الراحة والرفاهية وقسوة القلوب؟
ربي برحمتك استغيث، فأنت ملجئي وملاذي فأعني، وخذ بيدي إلى دوحة ايمانك الغناء حيث السكينة والطمأنينة واليقين.